الأربعاء، 18 مارس، 2015

اليمن.. سيناريوهات جديدة أقربها الحرب الأهلية


عبد الحكيم هلال

خلال فترة النصف عام الماضية تقريبا، اتسمت الأحداث في اليمن بطبيعة تصعيدية متقلبة وغير مستقرة، إذ لوحظ تنقلها، وفي أزمنة قياسية، من طور سياسي إلى آخر متجاوزة معظم السيناريوهات المتوقعة.

ومنذ سيطرة جماعة الحوثي المسلحة على العاصمة صنعاء ومحافظات شمالية أخرى بقوة السلاح، نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، باءت توقعات كثيرة بالفشل على حساب بروز مفاجآت لم تكن في الحسبان. ومع ذلك فقد ظل سيناريو الانزلاق إلى الحرب الأهلية هو الثابت الأكثر رسوخا، حيث بدا وكأن الحوثيين عازمون على دفع البلاد نحوه بطريقة غريبة تبعث على الشك.

وبحسب مراقبين سياسيين، فإن ما حدث في اليمن -لا سيما خلال الشهر الأخير، وما زالت تداعياته تتصاعد تباعا- من شأنه أن يجعل من التنبؤات لما سيؤول إليه المستقبل القريب والمنظور عملية أكثر تعقيدا. لكن معظمهم، إن لم يكن جميعهم يضعون سيناريو الاحتراب الأهلي في مقدمة التوقعات، وإن كان قليلون جدا يفضلون التمسك بحذرهم من الحكم البات عطفا على خصوصية الأحداث المتقلبة في اليمن، آخذين في الاعتبار عنصر المفاجآت الحاسم في الحالة اليمنية.

اليمن تحت تسلط المليشيا

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، ازداد هذا السيناريو المخيف رسوخا، بعد أن تسارعت الأحداث الأخيرة وانتقلت فجأة إلى طور أكثر خطورة، بفعل تنفيذ الحوثيين -أواخر يناير/كانون الثاني- عملية انقلابية على شرعية المؤسسة الرئاسية، ومنح مليشياتهم (المسماة بـ"اللجان الثورية") شرعية إدارة شؤون الدولة تحت ما يسمى بسلطة فرض "الأمر الواقع"، بدلا عن رئيس البلاد الشرعي.

ولقد ازداد الأمر قتامة، حين تمكن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وبطريقة غامضة، من الإفلات من الإقامة الجبرية المفروضة عليه لقرابة شهر داخل منزله بالعاصمة صنعاء، والفرار إلى محافظة عدن الجنوبية، ليبدأ من هناك إدارة شؤون الدولة، حيث قرر التراجع عن استقالته بعد أن كان سلمها في وقت سابق إلى مجلس النواب الذي لم يتمكن من الاجتماع للبت فيها.

وبعث انتقال الرئيس هادي إلى محافظة عدن الجنوبية واستعادته زمام المبادرة في إدارة شؤون البلاد من هناك، أملا جديدا، حيث عد ذلك أشبه بطوق نجاة للمناوئين الرافضين لإجراءات جماعة الحوثي الانقلابية الأخيرة، لا سيما وقد شرعت الجماعة بممارسة سلطات الدولة واتخاذ القرارات وفرض التعيينات، فضلا عن منع المظاهرات الشعبية المناوئة واختطاف السياسيين والناشطين وتعذيبهم، مستغلة الاختلال الناجم عن الفراغ الدستوري بعد استقالة الرئيس والحكومة، للتفرد بالسلطة وتحويل الدولة إلى إقطاعية لمليشياتها، معززة قوتها العسكرية وفرض المزيد من الإجراءات التسلطية القمعية بهدف الهيمنة وإرضاخ النسبة العظمى من الشعب لسلطاتها.

وكان الرئيس هادي، بمجرد وصوله عدن، أصدر بيانا هاما وصف فيه ما قامت به جماعة الحوثي منذ 21 سبتمبر/أيلول الماضي، بالإجراءات "الانقلابية"، واعتبر كل ما صدر عنها منذ ذلك التاريخ "باطلا وغير شرعي".

لكن جماعة الحوثي، في المقابل، حين وجدت نفسها في تلك الحفرة، لم تتوقف عن مواصلة الحفر. وتعاملت مع تلك التطورات المفاجئة بردة فعل تصعيدية حين اعتبرت الرئيس "فاقدا للشرعية" و"مطلوبا للعدالة"، بل هددت كل من يتعامل معه بمحاكمات وعقوبات تحت جنحة "الخيانة العظمى"..! وصدرت تصريحات عن قياديين في الجماعة بدراسة حل بعض الأحزاب السياسية، محددين حزب الإصلاح (الإسلامي المعتدل) كخطوة أولى.
إفرازات الحالة الجديدة 

شكلت تلك التطورات أيضا متنفسا جديدا لدول الخليج، وعلى رأسها السعودية، المتضرر الأكبر من تسلط الحوثيين وتغولهم وتمددهم وتعزيز قوتهم العسكرية، حيث تعاملت مع تلك التطورات على أنها بداية جديدة وجيدة لإصلاح أخطاء سابقة في اليمن.

وأعلنت خمس دول خليجية حتى الآن، باستثناء سلطنة عُمان (التي تربطها علاقات قوية مع إيران، حليفة وداعمة الحوثيين)، نقل أعمالها الدبلوماسية إلى محافظة عدن وقوفا مع الشرعية الدستورية للرئيس ودعما للشعب اليمني.

وفي ردة فعل تصعيدية أخرى، ذهبت جماعة الحوثي لفتح أبواب دبلوماسية مع خصوم الخليج الرئيسيين، وأبرمت اتفاقات تفتح المجال الجوي اليمني لشركة الطيران الإيراني بواقع رحلتين في اليوم بين صنعاء وطهران، كما قام قيادي حوثي رفيع بزيارة طهران على رأس وفد حكومي لإبرام اتفاقيات تجارية وسياسية لم يعلن عنها حتى الآن. ونفذت رحلة أخرى مشابهة إلى روسيا للغرض ذاته، وأعلن قياديون حوثيون أنهم سيقومون بزيارات دبلوماسية لدول أجنبية وعربية أخرى لإبرام اتفاقيات.

وإزاء ذلك، صعد الرئيس هادي من لهجته واعتبر صنعاء "عاصمة محتلة"، ضمن لقاء بسياسيين ومشايخ قبليين من محافظات شمالية أعلنت دعمها له ورفضها الانصياع أو التجاوب مع أية قرارات لجماعة الحوثي الانقلابية. وفي السياق هاجم الرئيس الحوثيين لإبرامهم اتفاقا مع شركات الطيران الإيرانية وتوعد من قام بذلك بالمحاسبة.

وعليه، فثمة واقع جديد يتم تشكله حاليا، كان حتى وقت قريب مثار خشية العقلاء وتحذيرهم، ذلك لأن تلك المستجدات بدأت عمليا بإحداث فرز مذهبي وطائفي وجغرافي. وتلك مقدمات خطيرة محفزة ومسرعة للاحتراب الأهلي. ويزيد من هذا الخطر ذلك الانسحاب التصعيدي للتصارع الإقليمي، الذي من الواضح أنه -وبفضل التسارع والاستقطاب الحاد- يتمدد أكثر نحو فرز تحالفات دولية جديدة تقوم على المصالح المشتركة بين الدول الكبرى ومحاضنها الإقليمية.

سيناريوهات متوقعة
من هنا، يمكن التنبؤ بمجموعة سيناريوهات يتوقع أن تؤول إليها الحالة اليمنية، ولعل أهمها أربعة سيناريوهات نوردها هنا باختصار.

- السيناريو الأول: إمكانية إنجاح مساعي الحوار بين الأطراف السياسية. على اعتبار أن الجميع -بمن فيهم الداخل اليمني بكافة قواه السياسية ومعها الخارج الإقليمي والدولي، وفي مقدمتهم الأمم المتحدة ومجلس الأمن- يؤيدون الحوار كحل أنجع وأسلم لليمن.

ومع ذلك، فإن هذا الخيار سيكون هذه المرة أكثر تعقيدا من السابق، لا سيما وقد شدد الرئيس هادي مؤخرا على ضرورة نقله من العاصمة صنعاء التي يسيطر عليها المسلحون الحوثيون إلى مكان آمن، وعلى أن تكون مرجعيته الرئيسية متمثلة بـ: المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني، دون أن يتحدث عن اتفاقية السلم والشراكة التي وقعت ليلة اجتياح الحوثيين للعاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول الماضي، حيث اعتبر الرئيس كل الإجراءات التالية لهذا التاريخ باطلة وغير شرعية. مما أثار تساؤلات: عما إذا كان يقصد أيضا إلغاء اتفاقية السلم والشراكة التي منحت الحوثيين مصالح كثيرة، أم لا؟.

وترفض جماعة الحوثي، ومعها حزب المؤتمر الشعبي العام بقيادة الرئيس السابق علي عبد الله صالح، نقل الحوار من العاصمة صنعاء. في وقت برزت فيه مؤخرا خيارات جديدة بإمكانية نقله خارج اليمن.

ومؤخرا رمى الرئيس هادي حجرا آخر إلى الواجهة، حين طالب بنقل الحوار إلى مقر مجلس التعاون الخليجي بالعاصمة السعودية الرياض، الأمر الذي من المرجح أن يرفع من منسوب التوتر القائم مع جماعة الحوثي وحزب الرئيس صالح الرافضين أصلا نقل المفاوضات خارج العاصمة، واللذين تربطهما علاقات متوترة مع الرياض.

- السيناريو الثاني: سيناريو الحرب الأهلية، الذي ما زال طاغيا على السطح منذ انفلتت الأوضاع بفعل الانقلاب الحوثي الأخير.

على ضوء ما قدمناه آنفا من تعقيدات، قد لا يبدو الحوار حلا ممكنا للأزمة الراهنة، ذلك لأن المستجدات الأخيرة -تراجع الرئيس عن استقالته، مع إعلان الحوثيين عدم الاعتراف بشرعيته وأنه مطلوب للعدالة، وتمسك حزب المؤتمر بإصراره على أن يبت مجلس النواب في تلك الاستقالة- تأتي ليضفي تعقيدات كبيرة على طبيعة المفاوضات.

كما أنه، وحتى في حال سرّع بن عمر هذه المسألة والتأم الحوار قريبا، سيظل مصير اليمن وإدارة شؤونه معلقا بين: عدن برئيسها الشرعي، وصنعاء بحكامها الجدد، بفرض سلطة الأمر الواقع. الأمر الذي من المرجح أن تحدث فيه -خلال فترة المفاوضات المعقدة أصلا- مستجدات سياسية تصعيدية قد تدفع البلاد نحو الانزلاق إلى الحرب الأهلية المنتظرة.

وفي هذا الصدد، تكشف بعض المصادر أن جماعة الحوثي ترتب أوضاعها للقيام بعملية عسكرية لاجتياح محافظة عدن، وفرض سيطرتها عليها وتنفيذ تهديداته بإحالة الرئيس هادي إلى المحاكمة باعتباره مطلوبا للعدالة بحسب قرار لجنتها الثورية. ويعتقد الحوثيون أن هذه العملية ستكون سهلة حيث يتم الإعداد والتجهيز لها حاليا وقد تبدأ في غضون شهر بالكثير.

كما أن ثمة معلومات تفيد بأن الحوثيين سيعتمدون في إنجاح مخططهم على عنصرين: الأول يتمثل بالدعم العسكري للقوات التابعة للرئيس السابق ونجله، والتي يتواجد بعض منها في عدن ومحافظات مجاورة، والثاني على تحركات من داخل عدن لمناصريهم في الحراك الجنوبي التابع لعلي سالم البيض المدعوم من إيران.

وفي المقابل، يتردد أن الرئيس هادي يعد مع شقيقه ذي المنصب العسكري الكبير في عدن، وقيادات عسكرية كبيرة وقبلية موالية له جنوبية وشمالية، لمواجهة مثل هذا السيناريو. وبدأ ذلك بإحداث تغييرات طالت قيادات عسكرية وأمنية بمحافظة عدن، إلى جانب تجنيد المزيد من أعضاء اللجان الشعبية الداعمة للرئيس.

ويقال أيضا إن دولا خليجية وعدت هادي بدعم سخي للقيام بدوره كرئيس شرعي، بما في ذلك ما قد يتطلبه الأمر من مواجهات ميدانية ضد المتمردين الحوثيين لكسر تحركاتهم العسكرية المقبلة، وربما أيضا لتحرير العاصمة صنعاء وبقية المحافظات الواقعة تحت سيطرتهم.

وفي حال هذا السيناريو، فإن الحرب لن تكون سهلة ومرجح أن تطول وتتوسع نحو كافة المحافظات اليمنية الأخرى. وهذا السيناريو يعد الأسوأ من بين كافة السيناريوهات الأخرى، لا سيما إذا كان الرئيس هادي فعلا ينوي هذه المرة المواجهة العسكرية، وانضمت إليه القبائل المؤيدة في المعركة مع الأطراف السياسية الداعمة لشرعيته والمتضررة من الحوثي، في ظل دعم سخي وإسناد قوي من دول الخليج.

- السيناريو الثالث: تكرار سيناريو صنعاء وبقية المحافظات الأخرى التي سيطر عليها الحوثيون سابقا، بحيث يتمكنون هنا أيضا من اجتياح عدن والسيطرة عليها بدون أي مقاومة تذكر. ويعتقد البعض أن ذلك قد يتم لهم: إما بتساهل من الرئيس هادي نفسه، كما حدث في صنعاء، على اعتبار أن ما يقوم به من تصعيد حاليا ليس سوى تكرار للسيناريو ذاته، وإما بخيانات من داخل قيادات بالجيش في عدن ما زالت تتبع الرئيس السابق علي صالح ونجله.

وهنا يبرز تساؤل، في حال تمكن الحوثي من اجتياح عدن، سواء بمقاومة أم بدونها: ما التالي؟ هل سيتوقف عند هذا الحد، ويسلم الجنوب لقيادات الحراك التابع للبيض على سبيل المثال في حال صدقت شائعات التنسيق المشترك بين الطرفين عبر إيران؟ أم سيضمها الحوثي إلى أملاكه وسيواصل تباعا تنفيذ بقية مخططه بالسيطرة على بقية المحافظات في جنوب البلاد وشمالها؟

- السيناريو الرابع: حرب تؤدي إلى انفصال الجنوب، إذ إن هناك من يتحدث عن توجه دولي لإعادة تقسيم اليمن إلى شطرين: شمالي وجنوبي، وفقا للحدود التي كانت عليها الدولتان قبل الوحدة.

لكن الأمر ما يزال غير واضح تماما بشأن ما إذا كان هذا التقسيم سيتم على أساس دولة اتحادية واحدة من إقليمين شمالي وجنوبي، بحسب تصريحات زعيم الحوثيين المتواصلة بهذا الشأن، أم سيكون على أساس دولتين مستقلتين كما يطالب الحراك الجنوبي المطالب بالانفصال، بقيادة علي سالم البيض.

وفي كلتا الحالتين: هل سيتعارض ذلك مع موقف حليف الحوثي حاليا، الرئيس السابق علي صالح، الذي يرفض مبدأ الإقليمين (شمال وجنوب)، فكيف بالانفصال كليا؟ أم أن هذه الإشكالية قد تم حلها -كما يقال- ضمن صفقة سرية أبرمتها طهران بين الجانبين؟
------------------------------------------------------------------------------

- نشرت هذه المادة في الجزيرة نت بتاريخ 17 مارس 2015

- رابط النشر:
http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2015/3/16/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86-%D8%B3%D9%8A%D9%86%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%A3%D9%82%D8%B1%D8%A8%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%84%D9%8A%D8%A9

الأربعاء، 25 فبراير، 2015

اليمن.. صحوة الخليج في وجه التقاعس الدولي والأميركي



عبد الحكيم هلال
- صحوة خليجية
- بين قرارين
- خيارات الخليج الانفرادية
- طبيعة الموقف الأميركي

بعد عام تقريبا على آخر قرار له بشأن اليمن، ها هو مجلس الأمن الدولي يصدر قرارا جديدا هو الرابع منذ انطلقت الثورة اليمنية السلمية في فبراير/شباط 2011، إلا أنه حسب الكثيرين لم يرق إلى المستوى المطلوب مقارنة بسابقه، ولما تمر به البلاد من اضطرابات سياسية تقربها أكثر من شبح الحرب الأهلية.

"الحرب الأهلية".. هذا الشبح المخيف، الذي كان قد توارى إلى حد ما عن حياة اليمنيين تقريبا منذ النصف الثاني للعام 2012 وحتى مطلع العام 2014، قبل أن تعيده مليشيا الحوثي تدريجيا إلى السطح مرة أخرى. ومع نهاية العام الماضي ومطلع العام الجاري، وبفعل تحركاتها المسلحة، "تعملق" هذا الشبح ليطغى أكثر ويثير المخاوف ليس في اليمن فحسب، بل وعلى المنطقة العربية والإقليمية برمتها.

وفي السادس من فبراير/شباط الجاري، انتهت التحركات المسلحة لجماعة الحوثي بتنفيذ انقلاب شبه كامل على السلطة عبر فرض ما سمي بـ"الإعلان الدستوري"، الذي حل بمقتضاه مجلس النواب الشرعي، وجعل ما تسمى بـ"اللجان الثورية" الحوثية حاكمة للبلاد.

أمام وضع جديد ومقلق كهذا، بدا وكأن دول الخليج التي لطالما اعتبرت اليمن عمقها الإستراتيجي، بدأت باستعادة صحوتها، وإن جاءت متأخرة قليلا، وربما كثيرا بحسب البعض، إلا أنها أفضل من مواصلة الانكفاء السياسي تحت تأثير الصدمات الأخيرة المتوالية.

صحوة خليجية
منذ بدأت أجراس الخطر تقرع تباعا من محافظة عمران وحتى العاصمة صنعاء، ظل موقف دول الخليج مشوشا إلى حد كبير، حيث اعتقد أنه بسبب وقع الصدمة الأولى، بكون حليفها القديم "صالح" أوقعها في شباك وعود لم تتحقق على الأرض إلا بطريقة عكسية تماما.

وعقب وفاة العاهل السعودي، الملك عبد الله، ليلة استقالة الرئيس هادي وحكومته، شرع الملك الجديد سلمان بن عبد العزيز بإحداث تغييرات وظيفية كبيرة في أجهزة الدولة طالت أبرز وأهم صانعي السياسة السابقة.

في 14 فبراير/شباط الجاري تبنت دول الخليج صيغة مشروع قرار جديد لمجلس الأمن، تضمن عبارات صارمة ضد جماعة الحوثي التي وصفها بـ"الانقلابية"، وطالب بضرورة اتخاذ إجراءات حاسمة مقترحا الانتقال إلى الخطوة التالية: اتخاذ قرار دولي يضع اليمن تحت إجراءات تنفيذية للبند السابع. لكن روسيا أعاقت صدور القرار، كما يقال، بحجة تضمنه عبارات شديدة ضد الحوثيين المتحالفين مع حليفتها الإستراتيجية في المنطقة (إيران).

ولتدارك الموقف، وحفاظا على الانسجام الذي اتسم به المجتمع الدولي إزاء ملف اليمن، سارعت بريطانيا والأردن إلى تبني مشروع قرار جديد، بني أساسا على المشروع الخليجي السابق لكن مع تعديلات بسيطة عمدت إلى إزالة تلك العبارات وتعديلها.

وقبل يوم من التصويت على القرار، عقد وزراء خارجية الخليج اجتماعا طارئا في الرياض انتهى إلى تبنى بيان شديد اللهجة ضد الحوثيين، تضمن كل ما رفضته روسيا في مشروع القرار، بما في ذلك المطالبة بوضع اليمن تحت تصرف البند السابع. بل إن البيان الخليجي خلص في نهايته إلى ما يشبه التحذير والتهديد من أن "دول المجلس ستتخذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على مصالحها الحيوية في حال عدم التوصل إلى حل للأزمة وفق نتائج الحوار الوطني والمبادرة الخليجية".
بين قرارين
في 16 من الشهر، صوت مجلس الأمن بالإجماع على مشروع القرار البريطاني الأردني الجديد رقم 2201 (سنة 2015).
وكما أسلفنا سابقا، فقد بني القرار على صيغة المشروع الخليجي مع التخفيف من حدة العبارات الباعثة على القلق الروسي. فهو يشجب بشدة -(بدلا من "يدين بشدة")- الإجراءات -(بدلا من "الانقلاب")- "التي اتخذها الحوثيون لحل البرلمان والاستيلاء على المؤسسات الحكومية في اليمن، بما في ذلك أعمال العنف". كما أنه وبدلا من وضع اليمن تحت طائلة البند "السابع" الملزم، عاد به إلى الوراء نحو البند "السادس" غير الملزم!

وإجمالا فإن أهم ما ركز عليه البيان، الذي احتوى على 15 فقرة، هو ضرورة أن يلغي الحوثيون كل إجراءاتهم الأخيرة في السيطرة على مؤسسات الدولة الشرعية والعسكرية، وإعادة الأسلحة المنهوبة ومغادرة مؤسسات الجيش والأمن، والإفراج عن جميع الأفراد تحت الإقامة الجبرية، أو الاعتقال التعسفي بمن فيهم رئيس البلاد ورئيس حكومته، ونبذ أعمال العنف لتحقيق أهداف سياسية، والامتناع عن الاستفزاز وإلغاء جميع الإجراءات الأحادية التي تقوض عملية الانتقال السياسي.

وربما كان الأهم هنا، حسب مراقبين، حرص المجلس على ضرورة أن ينفذ كل ما جاء في القرار في غضون 15 يوما، وكلف الأمين العام للأمم المتحدة برفع تقرير بعد هذه المدة، معلنا استعداده "لاتخاذ المزيد من الخطوات في حال عدم التنفيذ من قبل أي طرف يمني لهذا القرار".

قد تبدو التساؤلات الملحة الآن هي: هل سينفذ الحوثيون القرار؟ وماذا لو لم ينفذوا: ما الخيارات المتاحة للمجتمع الدولي؟ وهل لدى دول الخليج خيارات منفردة، في حال لم يتم التنفيذ وتباطأ المجتمع الدولي في التزام مسؤوليته كعادته؟

ولكي نصل إلى أجوبة مناسبة أو قريبة، سيتوجب علينا أولا أن نتساءل: هل كان مطلب دول الخليج منطقيا، بينما جاء القرار الدولي الأخير مخيبا للآمال؟
ولمعرفة ذلك علينا أولا أن نعرف أن قرار مجلس الأمن الأخير جاء بعد ثلاثة قرارات سابقة صدرت بشأن اليمن، يعتقد أنها اتسمت بتسلسل تراتبي منطقي، بحيث كان يفترض معها الوصول إلى إجراءات البند السابع الخاصة بفرض تنفيذ القرارات.

وكان القرار الثالث رقم 2140، لسنة 2014، أقر "وضع اليمن تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة"، وبدأ بفرض عقوبات على كل من يعرقل العملية السياسية، وهدد أيضا باستعداده لاتخاذ تدابير أكثر صرامة في حال لم يتم التنفيذ.

لكن القرار الأخير رقم 2201، المتخذ في 16 فبراير/شباط الجاري، وبدلا من المضي في النسق التصعيدي نفسه، وجدناه يتراجع خطوة إلى الوراء بوضعه اليمن تحت "البند السادس" غير الملزم! وإن عبارة "المزيد من الخطوات" التي هدد مجلس الأمن بإعلان استعداده اتخاذها إذا لم ينفذ قراره، لن تخرج -حتى الآن- من إطار القرار السابق (2140)، بفرض عقوبات على القيادات المعيقة لمسار العملية السياسية، ولا تتجاوز المنع من السفر وتجميد الأموال والأصول المالية.
وعليه يرى معظم اليمنيين أن اتخاذ المزيد من العقوبات في إطار القرار الجديد، لن يؤثر كثيرا على الوضع الراهن، بل قد يمنح الحوثيين -كما حدث سابقا- المزيد من الوقت والفرصة لفرض المزيد من التوسع والسيطرة، وهذه المرة ربما يصل الأمر إلى الاقتتال الأهلي، أخذا بالاعتبار رغبة الحوثيين في السيطرة على منابع النفط في محافظة مأرب القبلية التي تعد منذ أشهر مسلحيها لمواجهة تلك الرغبة.

لذلك، فإنه وحتى هذه اللحظة لا يزال خيار التدخل العسكري الخارجي في اليمن مستبعدا، سواء عبر ما سبق تفصيله إجرائيا، أم حتى عمليا على أرض الواقع، حيث يسيطر الحوثيون على نسبة كبيرة من المحافظات الشمالية، في الوقت الذي انهارت فيه المؤسسة العسكرية اليمنية التي بات من الصعب الاعتماد عليها بدعمها خارجيا في سياق ما يتطلبه أي تدخل عسكري خارجي من ضرورة وجود قوة عسكرية محلية على الأرض.

خيارات الخليج الانفرادية
مع كل ما سبق، ما زالت دول الخليج تبعث رسائل أخرى بخياراتها المتاحة للمجتمع الدولي والحوثيين على السواء. مما قد يمكن اعتبارها رسائل ضغط وتهديد ممكنة التنفيذ في حال تقاعس المجتمع الدولي مجددا بعد انقضاء المهلة.

وقال وزير الخارجية القطري خالد العطية لصحيفة الشرق الأوسط إن دول الخليج ستتخذ بشكل جماعي ما من شأنه حماية مصالحها تحت مظلة قرارات الأمم المتحدة.

وقبلها، نقلت صحيفة "الاقتصادية" السعودية، عن مسؤول خليجي تأكيده أن سحب السفراء من اليمن، وعلى رأسهم السفير السعودي هو "تحرك سياسي ذو ارتباط اقتصادي" وأن "كل شيء وارد في المستقبل، وأي تحرك سياسي قد يتبعه آخر اقتصادي".

ومع أن المسؤول الخليجي أشار إلى أن دول المجلس تتريث في المرحلة الراهنة في فرض عقوبات اقتصادية على اليمن بهدف إفساح المجال أمام الحلول السياسية المحلية والدولية. إلا أن صحيفة "الخليج" نقلت عن مصادر مطلعة ترجيحاتها بأن يبادر وزراء الخارجية، في حال فشلت جهود المبعوث الدولي في تسوية الأزمة اليمنية، إلى فرض عقوبات على الحوثيين، تتضمن عدة خيارات.
ومما ذكرته تلك المصادر في هذا السياق: إيقاف المساعدات والمنح التنموية، وسحب أي ودائع مالية قدمتها أي دولة خليجية لمساعدة الحكومة على الحفاظ على استقرار أسواق الصرافة في البلاد. وقدمت السعودية في وقت سابق وديعة لليمن بمقدار مليار دولار.
طبيعة الموقف الأميركي
قد يبدو هذا الموقف الخليجي متأخرا قليلا، إلا أنه من المهم الإشارة إلى أنه يأتي في ظل تقاعس دولي كبير عما يجري في اليمن، ولا سيما الموقف الأميركي إزاء جماعة الحوثي.
ومع أن أميركا تعد السعودية حليفا قويا لها في المنطقة، شهد هذا التحالف ركودا واضحا على حساب تفضيل أميركا نسج تحالفات جديدة لا تضع في حسبانها سوى مسألة رئيسية واحدة: القضاء على تهديد تنظيم القاعدة.
ولكون السعودية، ومعها دول الخليج، تضيف إلى تهديد الجماعات الإرهابية في المنطقة تهديدا آخر أكثر قلقا هو الحوثي في اليمن، كونه يمس أمنها ومصالحها الحيوية بشكل قوي ومباشر، فإن الموقف الأميركي المتقارب مع هذه الجماعة امتدادا لتحالفها مع إيران ضد داعش (تنظيم الدولة الإسلامية)، شكل لها أزمة وتشويشا ربما أدى إلى ترددها وبالتالي تأخرها في ترتيب موقفها إزاء مواجهة مشكلتها الرئيسية الكبرى في اليمن.

ولم تخف واشنطن علاقتها التقاربية مع جماعة الحوثي مؤخرا لجهة مصلحتيهما المشتركة في عداء ومحاربة تنظيم القاعدة. وتجلى ذلك التحول الأميركي نحو الجماعة، التي ما زالت تجاهر ظاهريا بعدائها لها عبر ترديد شعارها الرئيسي "الموت لأميركا.."، من خلال مواصلة الإدارة الأميركية ضرباتها الجوية ضد القاعدة باليمن رغم الاضطرابات السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد في ظل استقالة حليفها السابق الرئيس هادي، وسيطرة الحوثيين على السلطة.

وكشفت صحف ومجلات أميركية وعلى لسان مسؤولين أميركيين رفيعين وخبراء ومحللين طبيعة ذلك التحالف الجديد القائم على مصلحة العداء للقاعدة، حيث عده البعض ضروريا وبراغماتيا يبحث في مصلحة الأمن القومي الأميركي الذي ينظر إلى قاعدة اليمن على أنها من أقوى فروع التنظيم "الإرهابي" الدولي وتشكل تهديدا مباشرا لها، فقد وصفه آخرون على أنه يمثل تناقضا فظا ويهدم المبادئ والقيم الأميركية القائمة على نشر الديمقراطية والعدالة والمساواة وحرية الشعوب.

ويعتقد محللون أن موقف واشنطن ذاك من شأنه أن يبعث الإحباط في نفس الحليف الأقوى في المنطقة منذ عقود طويلة (السعودية)، بل قد يخسره لمصلحة حليف جديد هو إيران التي من المرجح أن تنقلب على هذا التحالف المصلحي الطارئ بمجرد انتهاء مبرراته.

وعليه، يعتقد أيضا أن واشنطن التي لم تعترض على قرار مجلس الأمن الأخير، ساعدت بشكل واضح في إيصال القرار إلى مثل تلك الحالة من الضعف، مما يعني -ترجيحا- أنها ستعمل على عدم إيصال التوافق الدولي إلى "البند السابع" الموجب لاتخاذ إجراءات عسكرية أو اقتصادية لفرض قرارات المجلس.

ويقود هذا الأمر بدوره إلى إمكانية أن تعمل أميركا -وربما سيكون ذلك بشكل معلن في المستقبل- على تمييع أي مقررات خليجية انفرادية ضد جماعة الحوثي.


المصدر : الجزيرة
نشر في 5/5/1436 هـ - الموافق 24/2/2015 م 

http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2015/2/22/%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86-%D8%B5%D8%AD%D9%88%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%AC-%D9%81%D9%8A-%D9%88%D8%AC%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%82%D8%A7%D8%B9%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A#comments


اليمن وتقلبات الرئيس المدمرة

عبد الحكيم هلال
مقدمات وإرهاصات
جذر تحولات الرئيس
مآلات التحول الرئاسي الأول
التحول الانقلابي الثاني

على عكس ما كان يرتجى أن يكون حلا توافقيا لإنقاذ اليمن من هاوية السقوط في المجهول، تحول الرئيس عبد ربه منصور هادي ليكون جزءا رئيسيا من كل هذا التدهور المريع الذي تمر به بلاد بات من الواضح أنها تنزلق سريعا نحو ما هو أكثر خطرا من المجهول ذاته.
لقد ظل هادي زهاء عقدين إلا بضع سنوات (أكتوبر/تشرين الثاني 1994- فبراير/شباط 2012) نائبا شكليا لرئيس البلاد بسبب ظروف سيسيولوجية، حتى جاءت ظروف استثنائية أخرى خلقتها ثورة فبراير/شباط 2011 الشعبية السلمية، لتمكنه من اعتلاء المنصب الأول في البلاد.
ورغم كونه أزيح طوال تلك الفترة بعيدا عن أضواء السياسة الفاتنة، فإنه كان من السابق لأوانه اكتشاف عقدة جنرال قديم ومعتق ظل طوال 18 شتاء معزولا في الظل. بيد أن ثلاث سنوات أو أقل بقليل كانت أكثر من كافية لانكشاف حقيقة كهلٍ غُيب طويلا عن الفعل السياسي، بحيث لم يعد يمتلك سوى موهبة البقاء في الظل على الدوام. وتلك حقيقة عجز عن مواراتها طويلا في خضم طموحات ثورية متعاظمة.
وفي نهاية المطاف، كان الرجل الضعيف ليس فقط عاجزا عن القيام ولو بجزء من مهمة الإنقاذ التي اختير لأجلها، بل إن سياساته التقلبية أدت إلى مفاقمة الحالة أكثر مما كانت عليه إبان توليه السلطة قبل سنتين ونيف.
مقدمات وإرهاصات
حين انتخِب هادي مرشحا توافقيا وحيدا لرئاسة اليمن في 23 فبراير/شباط 2012، لم يكن الأمر يستوجب منه أكثر من تنفيذ خريطة الطريق المرسومة له عبر "المبادرة الخليجية" في ظرف عامين فقط.
وعلى ما اتضح حينها، لم يحظ رئيس عربي -في دول الربيع العربي- بدعم شعبي توافقي (مسنود بدعم وتأييد المجتمعين العربي والدولي) مثل الذي ناله الرئيس هادي.
وهو الدعم الذي لم يتخلف عنه سوى قوتين سياسيتين كانتا ما زالتا تشكلان قضيتين رئيسيتين حيويتين توزعتا طرفي البلاد: الأولى تمثلت في قوى الحراك الجنوبي المطالب بالانفصال، والأخرى في حركة الحوثي المتمردة في شمال البلاد.
ولعل من مفارقات القدر أن تكون تلكم القوتان -من بين كافة القوى الأخرى تقريبا- هما اللتان رفضتا المشاركة في حفلة انتخابات محسومة سلفا تمنحه شرعية سلطة إدارة البلاد.
في بداية حكمه، بدا هادي وكأنه عزم فعلا على تجسيد حالة التوافق الشعبي باعتباره رئيسا محايدا يمثل كافة القوى والأطراف السياسية المنقسمة والمتصارعة. حينها لم يكن بينه وبين حزبه (المؤتمر الشعبي العام) أية خلافات سياسية أو إدارية. حيث كان يتبوأ موقعين قياديين في حزبه: النائب الأول لرئيس الحزب (كان صالح قد تمسك برئاسة الحزب عقب إسقاطه من السلطة)؛ والأمين العام للحزب. 
ولذلك، ربما كان صالح ما زال ينظر إلى هادي باعتباره من داخل البيت، ومن المرجح أنه قرر التعامل معه على ذلك النحو كورقة رابحة يمكنه عبرها الاحتفاظ بقوته ونفوذه في السلطة والحزب.
جذر تحولات الرئيس
لم تدبّ الخلافات بين هادي وصالح إلا بعد أن بدأ الرئيس في عملية إعادة هيكلة الجيش. ذلك أن صالح نظر إلى قرارات الهيكلة باعتبارها محاولة لإقصائه ونجله وأفراد عائلته من الجيش، ناهيك عن أنها عززت شكوكه في تشكل حلف جديد على أنقاضه بين الرئيس هادي واللواء علي محسن الأحمر، حليف صالح السابق الذي تحول إلى عدوه اللدود إبان انشقاقه عن نظامه لمصلحة الثورة الشعبية.
وفي الواقع، كان هادي حينها قد راودته واستهوته فكرة التخلص من حليفه السابق، الذي رفض التوقف عن ممارسة العمل السياسي والتنازل له عن رئاسة الحزب. وربما نظر هادي إلى الأمر كإهانة له، حيث كان يطلق على صالح صفة "رئيس الرئيس".
وكان صالح قد بدأ يفرض سطوته على هادي في إطار الحزب عبر قياداته الموالية، وتجاوزت تدخلاته ذلك لتشمل طريقة إدارة هادي للبلاد، وهو ما سبب للرئيس حرجا أمام الشعب والأطراف السياسية الأخرى، وربما بعض قوى المجتمع الدولي.
ولعل رغبة الرئيس هادي في التخلص من تلك الازدواجية المحرجة حدت بالطرفين إلى تبني ردة فعل طبيعية، أفضت بالضرورة إلى توتر العلاقات بينهما ليدخلا في أتون خلافات ثنائية شديدة امتدت تدريجيا لتصل عمق الحزب، الذي انقسم إلى تيارين متصارعين على المصالح بين تابع لصالح وآخر لهادي.
وربما سيكون من المجازفة هنا القول إن ذلك مثــّل "الخطأ الإستراتيجي الأول" الذي وقع فيه هادي، لتتراكم بعده الأخطاء السياسية والتكتيكية التي أوصلت البلاد إلى الحالة غير الطبيعية واللا مستقرة الراهنة.
مآلات التحول الرئاسي الأول
مع أني أدرك أن هذا الاستنتاج لن يروق لكثيرين، إلا أنني أستطيع -وإن إلى حد ما- المجادلة به استنادا إلى ثلاث حقائق -أو بالأحرى مسارات- متواترة ومتراكبة، أفضت إليها وساقتها الأحداث الأخيرة.
- المسار أو الحقيقة الأولى: أن الرئيس هادي اضطر لخوض صراعه الداخلي ذاك باللجوء إلى قوة أخرى من خارج حزبه للتحالف معها. مع أن الأمر كان سيختلف لو أنه واصل صراعه عبر محاولة تعزيز وتقوية تحالفاته الداخلية في الحزب.
لكن هادي تحالف مع قوى الثورة ممثلة في أحزاب "اللقاء المشترك". ومع أن أمرا كهذا قد يبعث على الانشراح والتأييد لكونه يتفق مع مسار ثورة التغيير الشعبية، إلا أن النظرة التحليلية المتعمقة تكشف لنا أن ذلك التكتيك شكل انحرافا واضحا لجدية أن يمثل الرئيس حلا توافقيا جذريا لكافة القضايا المعلقة والمضطربة.
لقد كان يفترض في هادي الحفاظ على مسافة متساوية من الأطراف الرئيسية المتصارعة، إلا أن ذلك الانحراف الواضح عن تلك المهمة أكد لنا اليوم أن الكوارث بدأت في التوالي تباعا من تلك النقطة.
- المسار أو الحقيقة الثانية: وهي لا تنفصل في السياق عن سابقتها؛ ذلك أن هذا التحالف التكتيكي أفضى -للأسف الشديد- إلى أمرين متداخلين، الأول: تعزيز فكرة استهداف هادي لحزبه لمصلحة تقوية خصومه التاريخيين. وقد ساعد ذلك على تمتين التعاضد الداخلي لتيار صالح داخل الحزب في مقابل إضعاف موقف هادي وتياره.
أما الأمر الآخر، فتمثل في إبراز أحزاب "اللقاء المشترك" كقوة حاكمة للبلاد من وراء الرئيس هادي. مما ألقى عليها مسؤولية كل ما يحدث من تدهور متواصل.
بل أكثر من ذلك، يجدر بنا الاعتراف بأن تحول الرئيس هادي إلى تحالفه الجديد انتهى تدريجيا إلى تمتين تحالفه مع حزب الإصلاح (الإسلامي)، ربما باعتباره الحزب الأكثر قوة وتأثيرا وموثوقية، وربما لأهداف أخرى كتلك التي تكشفت مؤخرا، وانتهت إلى عزل الإصلاح من بين كافة قوى الثورة الشعبية، ليتسنى لاحقا تحميله كافة التبعات والمسؤوليات، وبالتالي تلقيه وحده الضربة القاضية.
- المسار أو الحقيقة الثالثة: هي أيضا إحدى النتائج السلبية الناجمة عن تكتيكات الرئيس المدمرة. ذلك أن الرئيس السابق، حين شعر برغبة خلفه في الانقلاب عليه وعلى تياره داخل الحزب، لجأ تكتيكيا إلى التحالف مع جماعة الحوثي المسلحة، أي الطرف الذي كان -وإلى وقت قريب- يعد أحد أعدائه السياسيين.
وبغض النظر عن وجود مؤشرات عملية تدحض فكرة كون مثل هذا العداء حقيقيا أم لا، إلا أن التحالف الذي بدا عليه الطرفان، شكل قوة مكافئة -وربما أكبر- ضد تحالف الرئيس هادي مع الإصلاح وعلي محسن.
وقد يمكن القول إن استفادة صالح من هذا التحالف لم تكن بأقل من استفادة حركة الحوثي نفسها. إذ إن صالح لم ينجح فقط في إفشال مخططات هادي، بل وأيضا حقق أكثر من الانتقام الذي كان يحلم به ضد خصومه الرئيسيين الذين أسقطوه بالثورة الشعبية: أولاد بيت الأحمر، وعلي محسن، وحزب الإصلاح.
أما بالنسبة لجماعة الحوثي المسلحة -والتي كانت مع انطلاق ثورة فبراير/شباط 2011 لا تزال مجرد تهديد بسيط لا يرقى إلى الفعل المخيف والمؤثر- فقد حصلت هي الأخرى على أكثر مما كانت تخطط له لسنوات طويلة.
فإلى جانب حصولها على معدات الحرس الجمهوري المنهوبة من صالح وعائلته إبان قرارات هيكلة الجيش، فقد حصلت أيضا -عبر صالح نفسه- على دعم وولاء قبائل حاشد القوية التي اعتبرت من أذرع قوة بيت الأحمر، عوضا عن أن الجماعة -في نهاية المطاف- انتهت بالسيطرة على الدولة بشكل شبه كامل، وأصبحت ميدانيا هي القوة الكبرى والأكثر تأثيرا في البلاد.
التحول الانقلابي الثاني
في الواقع، شكلت تلك الطريقة التكتيكية الفاشلة البدايةَ الفعلية لسياسات هادي التقلبية، والتي رسمت بعد ذلك بقية سلوكه الانقلابي طوال فترة حكمه الماضية، وصولا إلى انقلابه الراهن على السلطة التي يفترض أنه يمتلكها، بينما هو لم يعد عمليا أكثر من مجرد آلة ساكنة لا تتحرك إلا بحسب الطلب، وفقط لتدمير ما تبقى من معنى للدولة والسلطة والقانون، مقابل فرز وتضخيم وتعزيز سلطات وقوة المليشيا.
ولما كان جذر التحول الانقلابي الأساس قد أفضى إلى فشل ذريع في مواجهة ما كان يعتقد أنه الخصم المختلق له مع بدايات حكمه، فقد انسحب الأمر تباعا على الرئيس هادي في شكل سلوك وسياسة بسطت وسهلت له عملية الانقلاب التالي على حليفه الجديد، المتمثل في حزب الإصلاح.
إذ بمجرد شعوره بدنو الخطر منه بسبب انقلابه الأول -عبر استياءات معلنة وغير معلنة بلغته بشكل مباشر وغير مباشر من الحلفاء والداعمين الإقليميين والغربين، على أساس اعتقادهم بتمكين حليفه المفترض (الإصلاح) من القوة والسلطة، في وقت كانت فيه المتغيرات والتداعيات الإقليمية على أشدها- سارع هادي بكل برودة إلى تنفيذ انقلابه التالي وبدون أدنى أسف.
وبذلك تخلى عن حليفه الجديد (الإصلاح) لمصلحة القوة الصاعدة (الحوثيين) المسكوت عنها، بل وربما -على الأرجح- المدعومة من الحلفاء الإقليميين والدوليين، ضمن صفقة كبيرة من الواضح أنها لم تكن تقتصر على حدود المربع المحلي، بل تجاوزتها إلى المحيطين الإقليمي والدولي.
لم تكن تحولات الرئيس الضعيف قد توقفت عند ذلك الحد، بل واصل هادي انقلاباته التكتيكية المدمرة. وحين خرجت الأمور عن السيطرة المتوقعة، واصل الرئيس هادي غواياته الانقلابية تلك لتشمل هذه المرة داعميه الإقليميين من دول الخليج، ردا على قراراتهم بوقف الدعم عنه.
وبهذا الخصوص، يُعتقد أن هادي أحدث مؤخرا انقلابا على تحالفاته الخليجية، وعلى رأسها المملكة السعودية، وذلك حين بدا وكأنه قرر الارتماء في أحضان إيران نتيجة نجاحات حققها الوسيط العُماني.
لقد بات من شبه المؤكد -من خلال المواقف الأخيرة بشكل خاص- أن هادي قرر عقد صفقة تحالفية تكتيكية جديدة مع جماعة الحوثي، إذ من شأن رئيس منهار مثله الاعتماد فقط على سياسة الانقلاب على من يعتقد أنهم باتوا الحلقة الأضعف في المعادلة، في مقابل نسج تحالفات جديدة مع من يعتقد أنهم الطرف الأقوى والأكثر سيطرة وهيمنة وتأثيرا في هذه اللحظة فقط.
ويتردد حاليا أن هذا التحالف التكتيكي الجديد يستهدف منه طرفاه تحقيق غايتين متداخلتين ومزدوجتين لكل منهما.
فبالنسبة للرئيس هادي، يُعتقد أنه ما زال يسعى نحو تحقيق فكرة القضاء على خصمه اللدود صالح، عبر سحب البساط من تحته بتحالفه مع الحوثي، بينما يضع في حساباته تحقيق مسألة تقسيم البلاد إلى إقليمين فقط (شمالي وجنوبي)، بحيث يتسلم هو -أو أنصاره- الشطر الجنوبي.
وفي المقابل، يستحوذ حلفاؤه الجدد (الحوثيون) على الشطر الشمالي الخاضع عمليا لسيطرتهم، ومن ثم يتسنى لهم القضاء على عدوهم الأقوى المفترض مستقبلا: صالح وحزبه وقواته العسكرية الموالية له.

المصدر : الجزيرة
نشر في 28/3/1436 هـ - الموافق 19/1/2015 م 

الأحد، 9 نوفمبر، 2014

اليمن..قراءة أولية في التشكيلة الحكومية الجديدة


تجاوزت الوجوه الجديدة بنسبة (70 %) وانخفضت الوجوه القديمة لأول مرّة إلى ما دون الـ 30 %


الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي خلال لقاء مع رئيس الحكومة خالد بحاح

الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي خلال لقاء مع رئيس الحكومة خالد بحاح
لاقت التشكيلة الوزارية الجديدة المُعلن عنها الجمعة الماضية بقرار جمهوري ردود فعل شعبية متفاوتة بين التأييد والنّقد، برزت معظمها خلال اليومين الماضيين عبر صفحات التواصل الاجتماعي (الفيسبوك والتويتر)، إلى جانب تناولات الكُتّاب في وسائل الإعلام الإخبارية المحلية (مواقع الكترونية، وصحافة مكتوبة).

ولعلّ أهم ما ميّز هذه الحكومة عن سابقاتها هي أنها شُكِّلت بعيداً عن الصراعات السياسية، بعد أن فوّضت المكوِّنات السياسية الموقِّعة على اتفاق "السلم والشراكة الوطنية" كلاً من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء المُكلّف بتشكيل حكومة كفاءات وطنية باعتبار ذلك هو المخرج والحل الأنسب لتجاوز الخلافات التي نشبت خلال الفترة الماضية بين المكوِّنات السياسية.  

وعلى ذلك الأساس، وبعد أسبوع واحد تقريباً من التفويض، أعلن مساء الجمعة عن الحكومة الجديدة، التي أطلق عليها رئيس الوزراء المكلّف المهندس خالد بحاح  "الحكومة الوطنية" في أول تصريح له نُشر على صفحته الخاصة في "الفيسبوك" بعد ساعات من إعلانها.

قراءة سريعة في تمثيل المكوِّنات
ومن بين الـ36 وزيراً، بضمنهم منصب رئيس الوزراء، شملت التشكيلة الحكومية الجديدة  26 وزيراً جديداً يتم تعيينهم لأول مرّة، أي بنسبة تصل إلى 72.2 %، إلى جانب عشرة وزراء تولوا مناصب وزارية في الحكومات السابقة، أي بنسبة 27.7 %، مُعظمهم تم التجديد لهم من حكومة التوافق السابقة، بعدد ثمانية من بين الوزراء العشرة.

وحيث حاز المستقلون على النسبة الأكبر، بنسبة تجاوزت النصف، تنوّعت بقية الحقائب الوزارية بين وزراء محسوبين على المكوِّنات السياسية، على رأسها المؤتمر الشعبي العام وجماعة أنصار الله (الحوثي) وتحالف اللقاء المشترك، وحلفائها وشركائها.

وتفيد بعض التقديرات المنشورة بهذا الخصوص إلى أن نسبة المستقلين وصلت إلى قرابة 60 % من التشكيلة الوزارية، مقابل حوالي نسبة 40 %، توزّعت بين بقية المكوِّنات السياسية.

وبالنسبة لتمثيل أبناء المحافظات الجنوبية في التشكيلة الوزارية الجديدة، بلغت نسبتهم حوالي 40% من بين الوزراء، طبقاً لتقديرات نشرتها وكالة الأناضول (التركية) عبر مراسلها في صنعاء.

أعلى نسبة تمثيل للمرأة والشباب
ولعلّ أهم ما تميزت به الحكومة الجديدة أن رفعت حصة تمثيل المرأة إلى أربع حقائب وزارية، أي بنسبة تتجاوز بقليل الـ11 %. وهي أعلى نسبة تمثيل لم تحز المرأة على مثلها مقارنة بالحكومات المتعاقبة السابقة خلال العقدين ونصف الماضيين منذ أول حكومة تشكلت بعد إعلان الوحدة اليمنية في مايو 1990.   

وفي التشكيلة الحكومية الأخيرة منحت المرأة أربع حقائب وزارية، هي: وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وزارة الدولة، وزارة الإعلام، ووزارة الثقافة.

وحيث تم الإبقاء على وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل من نصيب المرأة، لكن بعد تغيير الوزيرة السابقة التي لم تعرف الوزارة غيرها منذ سلمت للمرأة في عهد با جمّال (2006 – 2007)، فقد تم في المقابل تثبيت حقيبة "وزير الدولة" للمرأة، والتي منحتها في حكومة التوافق الوطنية (ديسمبر 2011 – نوفمبر 2014). لكن، وفي مقابل ذلك أيضاً تم كسر التقليد السابق الذي ثبتته حكومة باجمّال فيما يتعلق بوزارة حقوق الإنسان، التي سلبت هذه المرّة من المرأة لتمنح لها وزارتين إضافيتين جديدتين هما: الإعلام والثقافة.

وبمقارنة سريعة لتمثيل المرأة اليمنية في الحكومات المتعاقبة طوال فترة الوحدة، لم تحصل المرأة اليمنية على أية حقيبة وزارية طوال الخمس حكومات الأولى خلال العقد الأول منذ العام 1990 وحتى العام 2001، لتظهر لأول مرّة في الحكومة السادسة برئاسة عبد القادر باجمّال (4-4-2001- ابريل2003) بحقيبة واحدة تحت مسمى "وزير دولة لشؤون حقوق الإنسان" وتولتها الدكتورة وهيبة فارع.

وفي الحكومة السابعة بقيادة باجمّال نفسه (مايو 2003 - فبراير2006) تم فصل هذه الحقيبة الوزارية عن وزارة الدولة لتصبح وزارة مستقلة تحت اسم "وزارة حقوق الإنسان" وعيّنت أمة العليم السوسوة كأول وزيرة لها. بعدها ثبتت هذه الوزارة بحيث أصبحت حكراً على تمثيل المرأة كتقليد تم اتباعه في كافة الحكومات اللاحقة.

وفي التعديل الوزاري ضمن الحكومة السابعة (فبراير 2006 - ابريل 2007م) برئاسة باجمّال أيضاً، تم رفع نصيب المرأة إلى وزارتين، حيث أضيفت إلى وزارة حقوق الإنسان وزارة أخرى للمرأة هي "وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل"، وتولتها منذ ذلك الحين الدكتورة أمة الرزاق حُمد، التي ظلت الوزارة من نصيبها حتى الجمعة الماضية.

ومنذ ذلك الحين (2007) لم يرتفع تمثيل المرأة عن حقيبتين وزاريتين، حتى الحكومة التاسعة (حكومة التوافق الوطنية) التي تشكلت في ديسمبر 2011، إبان الثورة الشبابية الشعبية برئاسة محمد سالم باسندوة، الذي ارتفع تمثيل المرأة في عهده إلى ثلاث وزارات بتعيين جوهرة حمود "وزيرة دولة لشؤون مجلس الوزراء". حينها وصل تمثيل المرأة إلى نسبة 8.5 % بعدد ثلاث وزارات من بين 35 حقيبة وزارية.

ومثلها، في حكومة التوافق الوطنية فقط، وصل تمثيل الشباب أيضاً، بعد أن ظل شبه منعدم طوال فترة العقدين ونصف الماضية، إلا من تمثيل واحد أو اثنين بالكثير.

وحيث ارتفع تمثيل الشباب بثلاث حقائب وزارية في حكومة التوافق (ديسمبر 2001 – نوفمبر 2014)، فقد ارتفع تمثيله هو الآخر، أكثر من أي وقت مضى في الحكومة الوطنية المُعلنة الجمعة الماضية، وتقريباً بالنسبة ذاتها التي مثلت فيه المرأة.

وهذه النسبة – بالنسبة لتمثيل الشباب – من المُهم التأكيد أنها نسبة تقديرية أولية تم استقاؤها بشكل أولي من أسماء الوزراء المعينين مؤخراً، حيث لم تنشر السيرة الذاتية كاملة لكافة الوزراء للتأكد من تاريخ الميلاد، وبالتالي التأكد من نسبتهم بشكل أكثر دقة. 
----------------------------------------------------
نشرت في موقع المصدر أونلاين..رابط النشر 
http://almasdaronline.com/article/63874